تعتبر قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا التي شغلت وما زالت تشغل العالم سواء على المستوى المحلي أو الدولي وعلى مختلف الأصعدة الرسمية وغير الرسمية وذلك نظرا لأهمية هذه الحقوق ولكونها ترتبط بحياة الإنسان وكرامته.
فضلا عن أن حقوق الإنسان تعد مبدأ إنساني عام وثمرة نضالات تاريخية للبشرية، والعبرة هنا ليس فيما تطرحه الدساتير، واللوائح، والوثائق الحقوقية، والسياسية بل في التطبيق وخلق الانسجام المتكامل بين الحرية الفردية والأمن العام، وحياة الأمن والطمأنينة هي ضمانة الحقوق الإنسانية، وبانتهاك حقوق الإنسان تتجه البشرية إلى الهمجية، وتصبح الحضارة أداة لهمجية معصرنة.
ونتيجة لأهمية حقوق الإنسان قد برزت العديد من المؤسسات الرسمية، وغير الرسمية للمطالبة بأهمية احترام هذه الحقوق وصونها من أي اعتداء وخصوصا في ظل سيادة ظروف العبودية والاستعمار، حيث تم بذل جهود كبيرة من قبل هذه المؤسسات وبالتعاون مع الحركات الوطنية الشعبية ومنظمات حقوق الإنسان للتخلص من أشكال الاستعمار المختلفة و منح الشعوب حرياتها واستقلالها، ولقد تم إبرام العديد من العهود والمواثيق الدولية التي تدعو إلى صون حقوق الإنسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- حقوق الإنسان والديمقراطية (الطرح المفاهيمي):
وثمة مبدأ معرفي، علينا أن نرفع لواءه على الدوام، يتجسد ذلك المبدأ في اعتبار المفاهيم والمصطلحات هي بنت التاريخ، أي إنها لا تنتج مرة واحدة و إلى الأبد، بل إنها تبدأ بالنضج و التبلور في سياق التجربة البشرية، حيث تكتسب دلالات جديدة في مسار نضجها و تبلورها، وهذا ما ينطبق تماما على مفهوم حقوق الإنسان Human Rights ، حيث تعني حقوق الإنسان حرفيا تلك الحقوق التي تؤول إلى الفرد ببساطة لأنه بشر أي حقوقه كإنسان، و يثير هذا التعريف سؤالين نظريين جوهريين هما: ما معنى أن يكون للمرء حق، و كيف يكون للمرء حق و كيف أن أكون إنسانا يؤدي إلى نشوء الحقوق؟
و من الجدير بالإشارة أن لكلمة حق Right في اللغة الانجليزية، و الكلمات المماثلة لها في اللغات الأخرى معنيان جوهريان أحدهما أخلاقي و الأخر سياسي: فمن ناحية تعني أن شيئا ما صحيح، و ممن الناحية الأخرى تعني حقا يعود على الفرد، و بالمعنى الأول لصحة الشيء، و عندما نتحدث عن شيئا صحيح، فإننا نقول أن هذا العمل صحيح، أما بالمعنى الثاني، و هو الحق فإننا نتحدث عن شخص يملك حقا، و نحن نتحدث بهذا المعنى الأخير فقط عندما نشير إلى الحقوق في صيغة الجمع (حقوق Rights) ، و إذا كنا سنأخذ حقوق الإنسان مأخذ الجد كحقوق تعود على الفرد لأنه إنسان، فان الخطوة الأولى هي فهم ما الذي يعنيه أن يكون للمرء حق.
و مفهوم حقوق الإنسان لا يمكن المسك به إلا بعلاقته العضوية بمفهوم الدولة و المجتمع المدني، وهنا يمكن أن ندرج كثير من المفاهيم التي ترتبط بهذا النسق المعرفي مثل: الديمقراطية، القانون، الحرية، الملكية، العمل، المواطنة، الفردية، السياسة.....إلخ.
مما يعني أن حقوق الإنسان تكتسب دلالاتها و تبلورها بعلاقتها بالدولة و المجتمع المدني، مثلما لا يستقيم مفهوم المجتمع المدني إلا بمفهوم الدولة أي الشكل السياسي للكلية الاجتماعية، مما يعني أن مسار حقوق الإنسان هو مسار ماهية العلاقة القائمة بين الدولة و المجتمع المدني، وعلاقة الفرد بالمجتمع، فغياب الدولة هو ضبطا غيابا للحرية وغياب للمجتمع المدني، فيشكل انتهاك الحقوق هو السمة الأبرز في علاقة السلطة بالمجتمع.
من ناحية أخرى تفرض الديمقراطية نفسها بوصفها حاجة واقعية، و مطلبا سياسياً ومسألة عملية مهما أشاحت عنها الأيديولوجيات التي ترجأها إلى مستقبل بعيد، ولم تر فيها المدخل الضروري لتحقيق أهدافها الكبرى لا سيما حين يكشف حاملو هذه الأيديولوجية أو تلك أنهم خسروا الأهداف الكبرى وخسروا الحريات السياسية، و الحقوق الدستورية وحقوق الإنسان والمواطن معا.
وتعد الديمقراطية بمثابة إنجاز حضاري كبير, كما أن تاريخ الإنسانية يؤكد بوضوح أن الحرية والديمقراطية لا يمنحها الحكام للشعب, بل ينتزعها الشعب من خلال النضال والتضحيات الجسام.
و هنا تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية في مفهومها السياسي هي حكم الشعب نفسه بنفسه من خلال قيام الشعب بتقرير مصيره بنفسه، و لعل ذلك الهدف يقتضي ما يلي:
o قيام الشعب بوضع دستور تكون فيه السيادة له عن طريق مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حرا و نزيها بإشراف هيئة مستقلة و في ظل حكومة يساهم الجميع (أحزابا و نقابات و جمعيات و شخصيات عامة) في تكوينها.
o تمتع الشعب في ظل الحكومة الديمقراطية بجميع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية و المدنية عن طريق ملائمة القوانين مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
o انتخاب أجهزة محلية و وطنية تشرف على التقرير في الشئون الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و وفق قوانين انتخابية ذات ضمانات كافية لتحقيق نزاهة الانتخابات، و بإشراف هيأة مستقلة و دستورية.
o تكوين حكومة من أغلبية المجلس التشريعي تكون مسئولة أمامه، و تحاسب من قبل أعضائه.
o ضمان وجود قضاء مستقل و نزيه يحافظ على دستورية القوانين.
o المساواة بين الناس مهما كان شأنهم أمام القانون.
o الحرص على محاربة جميع الأمراض الاجتماعية و جميع مظاهر الفساد، و بكافة الوسائل و خاصة القانونية.
و الديمقراطية بمعنى آخر تستلزم مبدأين رئيسيين توأمين هما: السلطة الشعبية على صنع القرار، و المساواة في الحقوق لممارسة تلك السلطة، و يمكن اعتبار الجماعة ديمقراطية، بقدر ما يتحقق فيها هذان المبدآن، و لعل تعريف الديمقراطية بهذه الطريقة، يوضح منذ البداية مسألتين، الأولى ، أن الديمقراطية ليست خاصة فقط بعالم الدولة أو الحكومة، بل إن مبادئ الديمقراطية الرئيسية على صلة وثيقة بصنع القرار الجماعي داخل أي نوع من أنواع التجمع، أما الثانية فهي تتمثل في أن هناك علاقة مهمة بين الديمقراطية في مستوى الدولة، و الديمقراطية في المؤسسات الاجتماعية الأخرى.
استنادا لما سبق يتضح لنا أن الديمقراطية ذات أبعاد اقتصادية، و اجتماعية، وثقافية، و مدنية وسياسية، و بدون هذه الأبعاد لا نمارس إلا ديمقراطية الواجهة ويصبح النمو الطبيعي للإنسان وللمجتمع غير وارد و يصبح الاجتهاد في ظل ذلك غير وارد، لأنه حينها إذا حصل سيكون في خدمة الحاكم المستبد، و هو ما يمكن تسميته بتزوير الحقيقة أو تمويهها كمظهر من مظاهر ديمقراطية الواجهة التي تلمع الاستبداد، كما تتمثل حقوق المواطن من الناحية الديمقراطية فيما يلي:
· الحقوق المدنية: لكل مواطن الحق في المساواة حسب القانون دون تمييز وحقه في حريته الشخصية بكل أشكالها ما لم تتعارض مع حرية الآخرين تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية غيرك.
· الحقوق السياسية: لكل مواطن الحق الكامل بالمشاركة في صيانة الحياة السياسية في بلده، بما في ذلك اختيار ممثله أو الترشيح للمناصب العامة والحكومية أو تشكيل الأحزاب والهيئات والتجمعات بما في ذلك حق التظاهر والاجتماع والتعبير عن الرأي.
· الحقوق الاجتماعية: لكل مواطن الحق في المشاركة بالحياة الاجتماعية والثقافية والاستفادة من كل فرص الرفاه الاجتماعي وتوفير فرص العمل له.
· الحقوق الطبيعية: يمكن تلخيص الحقوق الطبيعية في حق الحياة وجب حمايتها، وبالتالي فإن الاعتداء عليها بأي شكل كان جريمة.
ولعل مفهوم فاتيل الواسع لسيادة الدولة قد كان له معنا معقول في نظام دولي يسيطر عليه طغاة خطرون معنيون بمصالحهم الشخصية، وأسبغ الاستقلال القومي حمايته على حقوق الإنسان وتقرير المصير من خلال الدفاع عن حرية العدد القليل من الدول الحرة في العالم لتطوير مواثيق الحقوق والمؤسسات الديمقراطية لتلك الدول، غير أن سقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفيتي يفتحان المجال للاحتمال القائل أن سيادة الدولة القوية لم تعد تخدم الأهداف التي جاءت ابتداء من أجل حمايتها.
و هنا أتساءل هل دخل العالم عصراً جديداً أصبح فيه لزاماً على حقوق الإنسان وحق تقرير المصير الوطني والقومي أن يعدَّلا من سيادة الدولة أو يحلا محلها لصالح الحرية والقومية والعدالة؟؟.
لقد نشأ وتطور مفهوم الديمقراطية في أسلوب الحكم عبر صراع طبقي وسياسي حاد في أوروبا مع نشوء وتطور النظام الرأسمالي, وقد توج نضال شعوب أوروبا بالثورة الفرنسية الكبرى عام 1789م التي أعلنت عن مبادئ ثلاثة هي: الحرية، والعدالة، والمساواة, لكن البرجوازية الناشئة في فرنسا لم تعترف مباشرة للطبقة العاملة وجماهير الشعب بحقوقهم السياسية, بما فيها حقهم في التنظيم النقابي, وقد استطاع العمال وجماهير الشعب بنضالهم المستمر أن ينتزعوا بعض المكاسب المتعلقة بالحقوق والحريات الديمقراطية, وحقهم في تشكيل أحزاب سياسية مستقلة.
و من الجدير بالإشارة أن مفهوم الديمقراطية قد اقترن وتطور أشكالها بالنضال السياسي, والطبقي في أوروبا بين الطبقة العاملة وجماهير العاملة من الفلاحين الفقراء والحرفيين والمثقفين الثوريين من جهة والطبقة البرجوازية الناشئة في أعقاب الثورة الفرنسية. أما في البلدان العربية التي كانت تحت الاحتلال العثماني, فقد ظهر منذ أواخر القرن التاسع عشر, وبداية القرن العشرين مفكرون أعلام كبار أمثال محمد عبده والكواكبي والأفغاني, وفيما بعد طه حسين كتبوا أبحاثاً ودراسات عن الاستبداد وعن الحرية وأهميتها وضرورتها للشعب.
وبعد تحرر الأقطار العربية من الاستعمار نجد أن معظم الدول العربية, تنص في دساتيرها على حق المواطنين بالتمتع بحق التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم السياسية والدينية, كما أن سورية وكل الدول العربية وقعت ميثاق حقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرين عن الأمم المتحدة اللذين أكدا على المبادئ الأساسية التالية:
احترام حقوق الإنسان وحقه في حرية التعبير عن آرائه السياسية, ومعتقداته الدينية, وحقه في العمل والضمان الصحي, ومنع التعذيب الجسدي ومعاقبة مرتكبيه, ويمكن أن يضاف إلى ذلك في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة مبادئ أخرى, هي: فصل السلطات التشريعية والتنفيذية واستقلال القضاء, وإقرار مبدأ تداول السلطة من خلال انتخابات حرة وديمقراطية، هذه هي المبادئ الأساسية لإقامة المجتمع المدني المتطور.
- حقوق الإنسان والديموقراطية في ظل النظام العالمي الجديد (الطرح الفكري):
إن النظام العالمي الجديد الذي جاء ليدعم مفاهيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان واستقر في ظله مبدأ التدخل الإنساني، جاء أيضا ليغير في البنية التحتية للمجتمعات المختلفة، من خلال التأثير سلبا أو إيجابا على ترسيخ مبدأ الديمقراطية عملا و ممارسة، و المقصود هنا في البنية التحتية، الأبعاد البيئية للمجتمعات حيث تشكل الأنظمة السياسية الحاكمة تأثيرات مباشرة في داخل الأفراد، كي تصب المفاهيم التي تريدها السلطة في داخل أعماق الأفراد، حتى يمكن الاعتماد عليها لتوجيهات الرأي العام و خدمة السلطة السياسية الحاكمة التي تقوم بتأصيلها و تجذرها في صفوف الشعب من أجل الاعتماد عليها كمعتقد لشعبها.
و من جانب آخر، تعبر الديمقراطية عن مفهوم تاريخي، أي مهمة أهل البلد أنفسهم في سياق عملية صعبة ممتدة، وفي ظروف حرية صنع القرار الوطني، ويتمثل جوهر الديمقراطية في توفير وسيلة منهجية حضارية لإدارة المجتمع السياسي بغية تطوير فرص الحياة، بما توفره من نظام سلمي للعلاقات الاجتماعية في ظل بنية مؤسسية إنسانية تتسم باستمرار النمو و الكفاءة، وتحمل في مضمونها مبدأ المساواة الذي يتجاوز مفهومه الليبرالي السياسي إلى المساواة الاقتصادية والاجتماعية النسبية.
وتقوم الديمقراطية على بناء إرادة المواطنة الواعية الفعالة: إرادة المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من واجبات و حقوق ومشاركة في التنمية وثمارها، والديمقراطية وفق هذا المفهوم عملية حضارية واعية تقترن بالتنمية البشرية (والمادية) الشاملة المتصاعدة، تتأسس حول الإنسان بدءاً بتنمية القاعدة- الأغلبية الأكثر فقراً، ويرتبط بذلك أن الديمقراطية هي عملية تغييريه وبنائية جذرية في آن واحد. و تقوم على مبادئ الحرية التي تجسد قضية إنسانية وتعبر عن ملكية الإنسان لفكره وإرادته وتمنحه شعور المواطنة، وتعمل على تحرير عقله من القيود والمحرمات والممنوعات.
و لعل الديمقراطية في مسيرتها الصعبة والطويلة الأمد تتطلب محاولة تحقيق التوافق بين المجموعات المختلفة والمصالح المتنافرة من اجل الصالح العام، أن أعضاء المجتمع السياسي يسعون وراء أهداف متباينة، يتم التعامل معها- بين أمور أخرى- من قبل الحكومة، أن الاختلاف والاتفاق هما جانبان مهمان من جوانب الأنظمة السياسية، أن الناس الذين يعيشون معا لن يستطيعوا أبدا الاتفاق على كل شيء ولكن إذا أرادوا الاستمرار في الحياة معا, فهم لن يستطيعوا إلا أن يتفقوا على أهدافهم وهذا يعني الحاجة إلى ظهور كتلة أغلبية أو كتلة تاريخية، قادرة على بناء برنامج وطني يحقق موافقة أكثرية الناس.
و من الجدير بالاهتمام أن للأداء الديمقراطي مقومات و لبنات بنائية رئيسية أربعة هي الانتخابات الحرة النزيهة، و الحكومة منفتحة و مسئولة، و حقوق مدنية و سياسية، و مجتمع ديمقراطي أو مدني، و يمكن تمثيل ذلك الإطار تخطيطيا على أنه هرم ديمقراطي، كل مقوم فيه ضروري لكافة المقومات الأخرى..
و استنادا للهرم الديمقراطي أرى أن المسيرة الديمقراطية الصحية تتطلب وجود أحزاب سياسية صحية، أي أحزاب ديمقراطية تقوم على القيم والمبادئ الوطنية وتكون متفقة قولا وعملا على تحريم العنف و الاحتكار السياسي سواء في إطار الحزب أو السلطة، أي القبول بالانتقال السلمي للسلطة في ظل توفير آلية انتخابات حرة، وتلتزم فعلا بحقوق الإنسان السياسية والاجتماعية، إضافة إلى القبول بالتعددية.
وهنا من المفيد ملاحظة أمرين:
1. التعددية لا تعني تركيز الانقسامات الإثنية- المذهبية- الطائفية- القبلية، اللغوية، كما أن الإقرار بالحقوق الوطنية- الثقافية لكافة التنوعات اللغوية في البلاد لا يعني القبول بانفصال وانفصام هذه المجموعات عن بعضها، لأن هذه الحالة تقود إلى اضمحلال مفهوم الدولة الوطنية والوقوع في براثن الشوفينية/ التعصب والتجزئة، بل المطلوب أن تقود هذه الحرية إلى مزيد من التعارف- فتح الأنوار- بين هذه التنوعات على طريق بناء التثاقف الاجتماعي السياسي.
2. الحرية تتطلب- ضمن أمور أخرى- تأكيد حرية الاختيار- حرية صنع القرار.
والديمقراطية باعتبارها عملية حضارية تاريخية، وتشكل مهمة سكان الدولة أنفسهم، تتطلب تفكيرا واقعيا في سياق دراسة منهجية لواقع المجتمع و قدراته ورغباته من اجل اختيار البرامج الأكثر ملائمة وإمكانية على التطبيق باتجاه بدء المسيرة الديمقراطية، التغيير الجذري وبناء متطلبات هذه المسيرة، وتتطلب هذه المهمة تحديد:
المضامين الفكرية: النموذج الملائم للتحول الديمقراطي، إستراتيجية التنمية، نظم القيم الاجتماعية، مفهوم الانسجام الاجتماعي.
§ العملية الإنتاجية: قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.
§ القضايا الدولية: الموقف من الانفتاح- العولمة و كيفية مواجهة آثارها، خاصة بالعلاقة مع ترسيخ ظاهرة قيم الاستهلاك الترفي الغربي ومخاطرها على عملية التنمية، وهذا قيد خارجي يتطلب بناء أسس إدارية مرنة للتعامل مع الأزمة الدولية لصالح المسيرة الداخلية.
مثل هذا التفكير المنهجي وتحديد المضامين الاجتماعية يعني رفض التفكير التبشيري القائم على الاعتقاد و يتنامى في إطار الرغبات و التطلعات والثوابت والمطلق، وتفادي التجزيئية والوقتية في الفكر والتحليل، ترسيخ الديمقراطية في فكر الناس لا على أساس الفكر الغربي التجزيئيي قصير الأمد، بل على أساس الفكر الواقعي المبدئي الشامل الممتد.
والديمقراطية تعني المشاركة، لا السياسية فحسب، بل كذلك المشاركة الاجتماعية والاقتصادية، أي المشاركة الفاعلة في تسيير شئون المجتمع والعدل في مسيرة بناء التنمية وتوزيع ثمارها، ذلك أن تطورا اقتصاديا يقوم على القهر والاستغلال غير مؤهل لبناء الرفاه والاستقرار في المجتمع.
من هنا تتطلب عملية التحول الديمقراطي بيئة اجتماعية حضارية ترفض همجية العنف لصالح التعامل السلمي وتتحاشى (السرية/الغيبية) بممارسة العلنية وترفض الوحدانية بالقبول بالتعددية وتتجاوز المطلق والثوابت باتجاه القناعة النسبية بالأفكار والممارسات الدنيوية، وهذا يدعو بدوره إلى بناء المؤسسات الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية في سياق عملية التغيير الجذري للبنية المؤسسية المجتمعية التقليدية وأحداث ثورة ثقافية، حيث تقود هذه التطورات الجذرية إلى قيام حكومة فعالة ومواطنة فعالة.
إن أهمية البناء المؤسسي تعني توفير الأرضية لترسيخ وممارسة مفاهيم الديمقراطية، أما الثورة الثقافية فتتطلب إعادة قراءة المواريث التاريخية وبما يتفق مع عملية البناء والتحديث وإعادة تأسيس البيئة الاجتماعية من منظورها الحضاري الحديث.
لما كانت قضية حقوق الإنسان تشغل الرأي العام العالمي، وتتكاتف فيها جهود المجتمع الدولي ويزداد التعاون بين أعضاء الأسرة الدولية لتعميق، وتقرير مفاهيم الحقوق ومحاولة توحيد تلك المفاهيم وترسيخها في كل المجتمعات لتبقي عليها في الدساتير والتشريعات الوطنية، هنا تأتي أهمية توافر ثلاثة عناصر رئيسية متداخلة ومترابطة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان وهي: الديمقراطية، والسلام، والتنمية، كما أن حقوق الإنسان وان كانت تدور بصفة أساسية حول الحقوق السياسية والمدنية إلا أنه لا يمكن إغفال حقوق أخرى لا تقل أهمية وإلحاحا وهي الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والبيئية والتنموية.
كما إنه في إطار حماية ودعم حقوق الإنسان لابد من الأخذ في الاعتبار عدة عوامل أهمها:
§ خاصية كل دولة بحيث تكون التدابير المتخذة في هذا الإطار متوافقة تماما والقوانين الوطنية، والقيم الدينية، والأخلاقية، والثقافية.
§ تقرير مبادئ الديمقراطية والشفافية في أعمال المنظمات الدولية.
§ أهمية التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان.
في ضوء ما سبق تعد الديمقراطية و حقوق الإنسان متلازمتان، ففي ظل الديمقراطية تكون حقوق الإنسان محترمة في الممارسة، و ممارسة حقوق الإنسان ضمانة للديمقراطية، فضلا عن ذلك فإن الديمقراطية لكي تؤتي ثمارها في المجتمع، لابد أن يكون التكوين الاجتماعي فيه على وجه يجعل الممارسات السياسية مجدية في تحقيق الغرض المستهدف منها، و من متطلبات ممارسة الحقوق و الحريات أن يقوم المجتمع على أساس من المساواة الاجتماعية في ظل نظام اقتصادي عادل لا يسمح باستغلال الإنسان للإنسان، فالحرية السياسية ترتبط بالتحرر الاقتصادي.
و هنا يمكن القول إن ما يثير الجمهور الواسع بشكل أكبر في مفهوم الديمقراطية اليوم هو ما تسعى فكرة حقوق الإنسان إلى نشره، أي تنمية المواطنية و الاعتراف بها كمنبع لحقوق ثابتة للفرد، و لا جدال أن شعار الديمقراطية هو أكثر الشعارات الرائجة اليوم في ساحة المطالب الشعبية في المجتمعات العربية على وجه الخصوص، فهي المطلب الذي يحظى اليوم بـالإجماع في الأقطار العربية كافة فالكل يطالب بها و ينادي بضرورتها.
ولتحقيق هذا الهدف الإنساني النبيل تم عقد سلسلة من الاتفاقيات الدولية للإسهام في التخفيف من هذه معاناة، منها اتفاقية تحريم التعذيب، واتفاقية تحريم قتل الأسير وانتزاع الاعتراف بالقوة منه واتفاقية منع ضرب الأهداف المدنية، وغيرها من الاتفاقيات التي هي احد مصادر القانون الدولي والغاية منها تنظيم المجتمع الدولي وكذلك العلاقات بين الدول في ظرفي الحرب والسلم، وذلك لان الحروب وان كانت قد ألحقت أفدح الأضرار بالعسكريين والمقاتلين فإنها قد طالت المدنيين الآمنين أيضا الذين لا علاقة لهم بالصراعات الحربية أو النزاعات العسكرية.
من خلال العرض السابق يمكن القول إذا كان لابد من رسم مخطط أولي للنظام العالمي الجديد، فيمكن الإشارة إلى ابرز تضاريسه فقط، و هذه التضاريس ذاتها لا تزال عرضة لتغييرات قد تكون كبيرة في بعض الحالات و بعض المناطق، و تتجلى المعالم الجديدة للنظام العالمي الجديد فيما يلي:
§ أنه عالم ذو قطب واحد فالولايات المتحدة الآن هي القوة الرئيسية في العالم سياسيا و عسكريا و اقتصاديا، و لقد تأكد هذا بعد التطورات الكبيرة و الهامة التي حدثت في المعسكر الاشتراكي، في أوربا الشرقية و الاتحاد السوفييتي.
§ حدوث تغير نوعي في نظرة القطب الأوحد بعد تشظي القطب الآخر، فما كان يحكم موقف الطرفين في السابق لم يعد له نفس الأولوية، كما أن السباق و الصراع اللذين كانا يحددان موقف كل طرف، و ليس بالضرورة تجاه الخصم، و إلى المشاكل أيضا، أصبح لهما الآن مفهوم مختلف نوعيا.
§ الاستنزاف الذي نشأ عن سباق التسلح و حرب الفضاء، و التهديدات الأمريكية للاتحاد السوفييتي قد انتهى شكله السابق و أصبح يأخذ شكلا آخر، و لعل ابرز ملامحه، التسريع في التقدم التكنولوجي لبقاء الهوة قائمة بين الطرفين.
§ الانقسام الحاد و المتزايد بين العالم المتقدم و العالم النامي، و اتساع الفروق بينهما، و ما يترتب على ذلك من تبعية و إلحاق و استغلال، و أيضا من مشاكل و تفجيرات.
و لعل في ظل كل تلك الظروف والاضطرابات والصراعات الدولية التي تحدث في دول العالم الثالث، منذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي، قد تشكلت حركات وقوى سياسية وإسلامية، و يمينية متطرفة على أنقاض القوى السياسية اليسارية والقومية القديمة، كما أن الثغرة الخطيرة التي تعانيها النخبة العصرية في كثير من البلدان العربية، ان لم يكن كلها، هي غياب العلاقة العضوية بينها و بين جماهير الشعب، نتيجة لعوامل كثيرة من أهمها عدم محاولة الأنظمة السائدة في هذه البلدان تغيير سياساتها أو صيغها السياسية التسلطية، وبسبب زيادة سياساتها القمعية الرافضة لكل ما له علاقة بحريات الشعوب وبالديمقراطية والتعددية والمشاركة السياسية، وبسبب اتساع الفجوة وانقطاع التواصل بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها، بالرغم من سرعة المتغيرات الديمقراطية والفكرية في العالم.
وكان من المعروف تماماً أن السبب الرئيسي في بقاء وتسلط تلك الأنظمة الرافضة للديمقراطية طوال تلك الفترة الزمنية التي امتدت إلى ما يقارب نصف قرن، هو أن هذه الأنظمة كانت مدعومة بتوازنات القطبين العالميين في ظل الحرب الباردة، والتي كانت تستوجب على الطرفين الأمريكي والسوفيتي كسب ود الأنظمة في هذه المنطقة المعروفة بحيويتها وبمواردها النفطية الغنية.
إضافة لما سبق فقد بدأت معالم الصراع بين الشمال والجنوب بالوضوح بسبب ازدياد فجوة الفقر العالمي بين الأقلية المسيطرة على الثروة والأكثرية المعتاشة على الحد الأدنى من الحاجات الإنسانية في العالم، مما أدى إلى أن يتميز القرن العشرين بتزايد الاضطرابات من جهة وتزايد القمع من جهة أخرى، والذي انتهى بأحداث 11 سبتمبر 2001، كما انتهى بتزايد حدة المقاومة ضد سيطرة القطب الواحد على العالم.
ختاما، أرى أن الاهتمام العالمي الحالي بحقوق الإنسان كفكرة ومبدأ بات يمثل قيمة مستهدفة، حيث أصبح من الأمور الشائعة تقييم سلوك الحكومات بمدى احترامها لحقوق الإنسان على المستويين الداخلي والدولي، بل وأصبح تقييم النظم الاجتماعية والاقتصادية ذاتها يخضع لمدى ما تحققه تلك النظم لمواطنيها من حقوق وحريات في الوقت الذي يزهو فيه المجتمع الدولي ويفاخر بإقراره حقوق الإنسان في عدة معاهدات دولية...
كما أرى أن البشرية جمعاء وفي مقدمتها دول العالم الثالث تقف أمام تحدى حقيقي في سبيل السعي لإقامة مجتمع مدني قائم على تطبيق حقوق الإنسان، و أسس من الديمقراطية والعدالة الإنسانية والاجتماعية، بضمانات القوانين والدساتير الإنسانية العصرية، وما يهمنا هنا - نحن كمجتمعات عربية/ إسلامية - هو أننا يجب أن نتعلم ونقبل تلك الصيغ الجديدة من الديمقراطية الوافدة من الآخر، و نتعامل معها وفقا لمتطلبات كياننا الاقتصادي، و استراتيجياتنا السياسية، و في ظل النظام العالمي الجديد.
د. ريم ثابت
